ابن عربي
126
مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الالهية
الثانية من وجود خالقها والأولية على خالقها محال ، فبقيت الأولية لها . ولهذا ينتشئ العدد منها . فإن الواحد لا يقال فيه إنه عدد . فإذا جاءت الباء ، وهي المرتبة الثانية ظهر وجود العدد ، والذي تختص به الميم هو أولها منعطف على آخرها مثل الواو والنون فأشبهت النون في هذا الباب . وحكمة هذا العطف وهذه الدائرة قد ذكرناه في كتاب : " ستة وتسعون " « 1 » تكلمنا فيه على ( الواو ، والنون ، والميم ) خاصة ؛ ولكن الذي تختص به الميم مرتبة شفعية . والشفعية ليس لأحد غيره . ومن خواص النون هذه المذكورة أنها من عالم الأنفاس والروائح ؛ فلها طريق في الخيشوم ولكن ليس لغيرها ذلك ، وهو حرف شريف . وإنما كانت الباء مجهورة من العالم المجهور لأنها أصل الظهور . وهي الثوب الذي على موجدها . ولهذا أخرجت على صورته وبكلمته ، وخفي هو بظهورها فلم تتعلق معرفة العارفين إلا بالباء ولا شهدت أبصار الشاهدين إلا بالباء ولا تحقق المحققون إلا بالباء . فهي كل شيء والظاهرة في كل شيء والسارية في كل شيء ، وبهذا كان كل مجهور وغيبها موجدها « 2 » فلهذا كانت من العالم المجهور ، وإنما كانت الميم والنون من العالم المهموس من أجل الباء ، فإنهما ظهرا في العين عن الباء ، وهما عن الحقيقة عن غيب الباء الذي هو الإذن العالي والأمر المطاع فنسبتا إليه لا إلى الباء . فلهذا النسب كانت من العالم المهموس وهو الخفي . واجتمع الكل في كونهم حروف اتصال ووصل . فالميم والباء اتصلت بهما الشفتان بعد افتراقهما ، وهو شأن المحبين إذا اجتمعا « 3 » والوصلة إذا تعانقا وامتزجا .
--> ( 1 ) ( كتاب ستة وتسعين ) : هو نفسه كتاب : ( الميم ، والواو ، والنون ) وعناوين أخرى مثل : كتاب ( ستة وستين ) رسالة في الحروف ، كتاب ( الست والتسعين ) وكل هذه العناوين لكتاب واحد هو : ( الميم والواو والنون ) كما اشتهر عنه ذلك وموضوعه يعطي هذا . وللكتاب طبعة قديمة بحيدر أباد الدكن ، وقد حققنا هذا الكتاب في المجلد الأول الذي نشر بمؤسسة الانتشار العربي ببيروت سنة 2000 م . انظر أيضا د : عثمان يحيى : مؤلفات ابن عربي : 601 / 920 . ( 2 ) في النسخة ( ط ) : ( كان كل مجهور وعدمها موجودها ) . ( 3 ) هذه الجملة زائدة في النسخة ( ط ) : ( فالاتصال إذا اجتمعا ) .